المبتسم
12-29-2008, 01:56 PM
يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [غافر:39، 40]، اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45].
أيها الاخوان، لو أعمَل عاقل فِكْره في سرعة مرور الليالي والأيام وشدة تصرّمها لرأى من ذلك عجبًا لا ينقضي، ولو تأمّل متأمّل فيما مضى من عمره طال أم قصر لوجده قد مَرّ كتحريك طرف أو كلمح بصر.
بالأمس بدأت السنة محمّلة بالأيام والليالي، مثقَلة بالساعات والدقائق والثواني، فمرت أيامها تباعًا، وتصرّمت ساعاتها سراعًا، آخذًا بعضها برقاب بعض، ومؤذنًا رحيل أولها بفناء آخرها. مَرّ على الناس ثمانية أشهر كثمانية أيام، ثم دخل شهر رمضان المبارك، وعاش المسلمون فيه أحلى الأيام، وقضوا أحلى الليالي، ثم انقضت تلك الأيام والليالي كساعة من نهار، ومَرّ عيد الفطر ورحل، وانتهى موسم العشر والحج كعشية أو ضحاها، وها هي السنة تكاد تخلع ثيابها وتلقي بخمارها وجلبابها، لتعلن لنا بكل صراحة وتفصح بكل وضوح أننا كنا بكثرة الأيام عند بدايتها مغترّين، وبحبال التسويف في أولها متعلّقين. كم من شخص أمّل أملاً في آخر هذه السنة فمضى وتركه، وكم من عاجز ألهته الأماني حتى أوقعه الشيطان في حبائله وشَرَكِهِ، مسوّف قال: إذا جاء رمضان حافظت على الصلاة، وعاجز وعد نفسه أن يرجع بعد الحج إلى الله، وخَوّار قال: إذا حل الشتاء طال الليل فقمته، وقصر النهار فصمته. ومضى رمضان وانقضى، وبدأ موسم الحج والعشر وانتهى، بل انتهت سنة كاملة، بما فيها من أيام ومواسم فاضلة، وما زال العاجز عاجزًا، وظل المسوّف مسوّفًا.
كلما انتهت سنة ومضت تمنّى المبطلون على الله الأماني في السنة التي تليها، وما علم هؤلاء المساكين أن الزمن إذا مضى لا يعود، وما درى هؤلاء المخدوعون أن العمر يذهب والعامر يخرب، وأن كل يوم يمر على العبد فإنه يزيد في عمره، وينقص من أجله، ويقربه إلى قبره، ويبعده عن أهله. جاهل من يغتر بالشباب، وأحمق من يتعلق بالتراب. ما أجهل مَن أنسته صحته، وما أسفه من أطغته قوته، ويا لخسارة من ألهته دنياه عن آخرته.
يا أبناء العشرين، بادروا الفُتوّة والشباب. ويا أبناء الثلاثين، انتصف العمر وجدّت الركاب. ويا أبناء الأربعين، بلغتم الأشد وحق العتاب. ويا أبناء الخمسين، ضعف الجسم والرأس شاب. ويا أبناء الستين، فُتِح ـ والله ـ للموت باب. ويا من بلغت السبعين أو أكثر، لقد أمهل الله لك وأعذر، أفيجدر بك أن تتراجع وتتقهقر؟! كيف ترضى لنفسك أن تجالس الفارغين البطّالين؟! أم كيف تخوض مع الخائضين وتستهزئ مع المستهزئين؟! بل كيف تجاري أهل الغيبة والنمّامين؟! أما آن لك أن تعود إلى ربك وتبكي على ذنبك؟! أما آن لك أن تشتغل بعيوبك عن عيوب غيرك؟! أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].
كم أودعت بيديك في القبر من قريب؟! وكم شيعت وودعت من أخ وحبيب؟! ألم تفكر في يوم تكون أنت فيه المودَّع المودَع؟! ألم تعمل ليوم تكون أنت فيه المحمول المشيَّع؟! عجبًا لك ثم عجبًا! كلما ازددت من الآخرة دنوًا وقربًا ازددت من الله بعدًا وهربًا. أيام عمرك في نفاد، وحرصك على الدنيا في ازدياد، لما شاب رأسك واكتمل عقلك وأُمِّل خيرك وطُلِب رأيك سرت خلف هواك وتبعته، وانقدت للشيطان وأطعته، وصرمت قريبك وقطعته، وبخلت بمالك ومنعته. تقضي أول الليل في القال والقيل، وتنام آخره عن الصلاة والذكر والتهليل، تغدو إلى الأسواق، وتطاحن على الدنيا، وتروح إلى مجالس البطالة، وتنسى الأخرى.
نهارُكَ يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلة…وليلُك نومٌ والأسى لك لازِمُ
تُسَرُّ بما يفنى وتفرحُ بالمُنَى…كما سُرَّ باللذاتِ فِي النوم حالِمُ
وشُغْلُك فيما سوف تكره غِبَّهُ…كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ
ألا فارجع إلى ربك، واستغفره لذنبك، وابك على خطيئتك، وقدم لنفسك، من قبل أن تقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت، فيقال لك: كلا، إنها كلمة هو قائلها.
أيها الاخوان، إنه يجب على العاقل أن يرجع إلى نفسه، فيحاسبها على ما قدم في يومه وأمسه، فإن كان خيرًا فليحمد الله، وليتزود من الصالحات، وإن كان غير ذلك فليتب، وليتخلص من السيئات. يجب عليه أن يحاسب نفسه في ختام يومه وشهره، وفي نهاية عامه وفي كل دهره، فإن من حاسب نفسه قبل أن يحاسَب خفّ في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن أهمل نفسه وأطلق لها العَنان ظهرت عند الموت حسراته، وطالت في العرصات وقفاته، وقادته إلى المقت والخزي سيئاته.
إنه لا آفة تأكل العمر وتحصد بركة الوقت مثل التسويف والأماني الكاذبة، ولا علاج يحسم ذلك مثل قصر الأمل وتذكر الموت، يذهب الرجل ليعمل العمل، فتسرقه منه الأماني وطول الأمل، حسن الربيع يلهيه، وحر الصيف يؤذيه، تيبس مع يبس الخريف نفسه، ويتجمّد في زمهرير الشتاء عزمه، وبين تلك الأزمنة وفي أثنائها دوام رسمي يذهب الوقت في خدمة الآخرين من أجل لقمة العيش، وإجازة تقضى في الترفيه والتنزه والتمشي، ساعات تمات في حضور الولائم ولعب الورق، وأخرى في لعب الكرة ومشاهدة الأفلام، وهنا تسكّع وتمشٍّ في الشوارع والأسواق، وهناك قنص وصيد ورحلات وطلعات، وكم للهاتف والجوال وأجهزة النداء من نصيب في قتل الوقت والقضاء على الدقائق الغالية، حيث جعلها كثير من الناس مع الدشوش والحاسب والإنترنت هدفًا، واتخذوها شغلاً وغرضًا. ويا لله! كم نجح الأعداء والأذناب من ورائهم في استغلال الأجهزة الحديثة والمخترعات لإبعاد الناس عن دينهم ومصدر عزتهم، أشغلوا الناس بسفاسف الأمور وساقطها، وأركسوهم بما نشروا في أوساطهم من حماقات وضلالات، وضيعوهم بما نقلوا لهم من شبهات وشهوات، فكم ممن نكص على عقبيه وارتدّ على دبره بعد إذ هداه الله، وكم من قتيل يتشحّط في دم الفضيلة المقتولة، وكم من شاب وشابة يتقلّبان في حمأة الرذيلة المنقولة.
أيها الاخوان، إن حقًّا على كل عاقل حَصِيف أن يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه؛ لينظر: هل أجاد أم قصّر؟ وهل هو يتقدّم أم يتأخّر؟ كلا، إِنَّهَا لإٍحْدَى الْكُبَرِ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:35-37].
نعم أيها الإخوة، إن محاسبة النفس أمر ضروري لا بد منه؛ لأن السائر إلى الدار الآخرة يسلك طريقًا لا توقّف فيها، ويركب عجلة تدور دائمًا وأبدًا، وليس بإرادته ولا مقدوره أن يوقفها أو يقلّل من حركتها، وهو في سيره في تلك الطريق بين أمرين لا ثالث لهما، وخيارين لا يملك غيرهما، إما أن يسرع في سيره ويجد في شأنه، فلعله أن يصل في أول الركب، فينجو من الآفات، ويفوز مع الفائزين، ويد الله مع الجماعة، وإما أن يتباطأ ويتثاقل في حركته، وتتجاذبه السبل يمنة ويسرة، فيوشك أن لا يصل إلى مراده، وإن وصل وصل متأخّرًا، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
أيها الاخوان، إنه لا بد أن يقف كل منا مع نفسه وقفة محاسبة صادقة، يتذكر فيها أعماله الصالحة والطالحة، ثم يعقد موازنة دقيقة، لينظر ما له وما عليه، ثم لينتقل بعد ذلك إلى الأعمال التي رأى أنها صالحة لينظر هل أخلص فيها النية لله وحده؟ وهل تابع فيها ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ؟ وإنه لو وقف الشخص كذلك لرأى عجبًا، ولهاله كثرة الأعمال التي لم تنطبق عليها شروط العمل الصالح المقبول، فضلاً عن الأعمال التي لا شك في كونها سيئات صغيرة أو كبيرة.
ليتفكر الإنسان في حاله مع الصلوات المفروضة، هل أداها بشروطها وأركانها وواجباتها؟ هل صلاها في المسجد مع جماعة المسلمين؟ كيف حاله مع صلاتي الفجر والعصر؟ ثم ما حاله بعد ذلك مع النوافل؟ هل تزود منها لتُرقَّع بها الفرائض وينال بها محبة الله؟ وليسأل نفسه عن بقية الفرائض والنوافل على هذا المنوال. ثم ليحاسب نفسه بعد ذلك عن أمواله التي اكتسبها، من أين حصلها؟ وفيم أنفقها؟ وما موقفه من حقوق الناس؟ هل أداها أم بخسهم إياها؟ الولائم التي أقامها وكلفته آلاف الريالات، المجالس التي جلس فيها وشرَّق فيها وغرَّب، الرحلات والنزهات التي قام بها، الرسائل التي كتبها بيده، المكالمات التي نطق بها لسانه، هل كان كل ذلك لله وفي الله؟ أم أنه مجاراة ومحاباة؟ ثم ليسأل نفسه في المقابل: كم ريالاً دفعه في سبيل الله؟ وكم زيارة قام بها لله؟ عيادة لمريض أو صلة لرحم؟ كم رحلة جعلها في الدعوة إلى الله لتعليم الناس الخير وتبصيرهم في أمور دينهم؟ كم رسالة أو مكالمة في جواله أو جهاز ندائه أشغل بها عباد الله بألغاز مكرورة أو نكت معصورة؟ وفي المقابل: كم استغل ذلك في دلالة على خير أو تحذير من شر؟ إنها أسئلة صعبة صعبة، والإجابة عنها أصعب وأصعب، ولكنه واقع مؤلم وحقائق مرة، يجب أن يتقبلها كل منا بصدر رحب، وأن يعيها لعله يغير من طريقة عيشه وفهمه لهذه الحياة، قبل أن يفجأه هاذم اللذات ومفرق الجماعات، فيندم
أيها الاخوان، لو أعمَل عاقل فِكْره في سرعة مرور الليالي والأيام وشدة تصرّمها لرأى من ذلك عجبًا لا ينقضي، ولو تأمّل متأمّل فيما مضى من عمره طال أم قصر لوجده قد مَرّ كتحريك طرف أو كلمح بصر.
بالأمس بدأت السنة محمّلة بالأيام والليالي، مثقَلة بالساعات والدقائق والثواني، فمرت أيامها تباعًا، وتصرّمت ساعاتها سراعًا، آخذًا بعضها برقاب بعض، ومؤذنًا رحيل أولها بفناء آخرها. مَرّ على الناس ثمانية أشهر كثمانية أيام، ثم دخل شهر رمضان المبارك، وعاش المسلمون فيه أحلى الأيام، وقضوا أحلى الليالي، ثم انقضت تلك الأيام والليالي كساعة من نهار، ومَرّ عيد الفطر ورحل، وانتهى موسم العشر والحج كعشية أو ضحاها، وها هي السنة تكاد تخلع ثيابها وتلقي بخمارها وجلبابها، لتعلن لنا بكل صراحة وتفصح بكل وضوح أننا كنا بكثرة الأيام عند بدايتها مغترّين، وبحبال التسويف في أولها متعلّقين. كم من شخص أمّل أملاً في آخر هذه السنة فمضى وتركه، وكم من عاجز ألهته الأماني حتى أوقعه الشيطان في حبائله وشَرَكِهِ، مسوّف قال: إذا جاء رمضان حافظت على الصلاة، وعاجز وعد نفسه أن يرجع بعد الحج إلى الله، وخَوّار قال: إذا حل الشتاء طال الليل فقمته، وقصر النهار فصمته. ومضى رمضان وانقضى، وبدأ موسم الحج والعشر وانتهى، بل انتهت سنة كاملة، بما فيها من أيام ومواسم فاضلة، وما زال العاجز عاجزًا، وظل المسوّف مسوّفًا.
كلما انتهت سنة ومضت تمنّى المبطلون على الله الأماني في السنة التي تليها، وما علم هؤلاء المساكين أن الزمن إذا مضى لا يعود، وما درى هؤلاء المخدوعون أن العمر يذهب والعامر يخرب، وأن كل يوم يمر على العبد فإنه يزيد في عمره، وينقص من أجله، ويقربه إلى قبره، ويبعده عن أهله. جاهل من يغتر بالشباب، وأحمق من يتعلق بالتراب. ما أجهل مَن أنسته صحته، وما أسفه من أطغته قوته، ويا لخسارة من ألهته دنياه عن آخرته.
يا أبناء العشرين، بادروا الفُتوّة والشباب. ويا أبناء الثلاثين، انتصف العمر وجدّت الركاب. ويا أبناء الأربعين، بلغتم الأشد وحق العتاب. ويا أبناء الخمسين، ضعف الجسم والرأس شاب. ويا أبناء الستين، فُتِح ـ والله ـ للموت باب. ويا من بلغت السبعين أو أكثر، لقد أمهل الله لك وأعذر، أفيجدر بك أن تتراجع وتتقهقر؟! كيف ترضى لنفسك أن تجالس الفارغين البطّالين؟! أم كيف تخوض مع الخائضين وتستهزئ مع المستهزئين؟! بل كيف تجاري أهل الغيبة والنمّامين؟! أما آن لك أن تعود إلى ربك وتبكي على ذنبك؟! أما آن لك أن تشتغل بعيوبك عن عيوب غيرك؟! أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].
كم أودعت بيديك في القبر من قريب؟! وكم شيعت وودعت من أخ وحبيب؟! ألم تفكر في يوم تكون أنت فيه المودَّع المودَع؟! ألم تعمل ليوم تكون أنت فيه المحمول المشيَّع؟! عجبًا لك ثم عجبًا! كلما ازددت من الآخرة دنوًا وقربًا ازددت من الله بعدًا وهربًا. أيام عمرك في نفاد، وحرصك على الدنيا في ازدياد، لما شاب رأسك واكتمل عقلك وأُمِّل خيرك وطُلِب رأيك سرت خلف هواك وتبعته، وانقدت للشيطان وأطعته، وصرمت قريبك وقطعته، وبخلت بمالك ومنعته. تقضي أول الليل في القال والقيل، وتنام آخره عن الصلاة والذكر والتهليل، تغدو إلى الأسواق، وتطاحن على الدنيا، وتروح إلى مجالس البطالة، وتنسى الأخرى.
نهارُكَ يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلة…وليلُك نومٌ والأسى لك لازِمُ
تُسَرُّ بما يفنى وتفرحُ بالمُنَى…كما سُرَّ باللذاتِ فِي النوم حالِمُ
وشُغْلُك فيما سوف تكره غِبَّهُ…كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ
ألا فارجع إلى ربك، واستغفره لذنبك، وابك على خطيئتك، وقدم لنفسك، من قبل أن تقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت، فيقال لك: كلا، إنها كلمة هو قائلها.
أيها الاخوان، إنه يجب على العاقل أن يرجع إلى نفسه، فيحاسبها على ما قدم في يومه وأمسه، فإن كان خيرًا فليحمد الله، وليتزود من الصالحات، وإن كان غير ذلك فليتب، وليتخلص من السيئات. يجب عليه أن يحاسب نفسه في ختام يومه وشهره، وفي نهاية عامه وفي كل دهره، فإن من حاسب نفسه قبل أن يحاسَب خفّ في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن أهمل نفسه وأطلق لها العَنان ظهرت عند الموت حسراته، وطالت في العرصات وقفاته، وقادته إلى المقت والخزي سيئاته.
إنه لا آفة تأكل العمر وتحصد بركة الوقت مثل التسويف والأماني الكاذبة، ولا علاج يحسم ذلك مثل قصر الأمل وتذكر الموت، يذهب الرجل ليعمل العمل، فتسرقه منه الأماني وطول الأمل، حسن الربيع يلهيه، وحر الصيف يؤذيه، تيبس مع يبس الخريف نفسه، ويتجمّد في زمهرير الشتاء عزمه، وبين تلك الأزمنة وفي أثنائها دوام رسمي يذهب الوقت في خدمة الآخرين من أجل لقمة العيش، وإجازة تقضى في الترفيه والتنزه والتمشي، ساعات تمات في حضور الولائم ولعب الورق، وأخرى في لعب الكرة ومشاهدة الأفلام، وهنا تسكّع وتمشٍّ في الشوارع والأسواق، وهناك قنص وصيد ورحلات وطلعات، وكم للهاتف والجوال وأجهزة النداء من نصيب في قتل الوقت والقضاء على الدقائق الغالية، حيث جعلها كثير من الناس مع الدشوش والحاسب والإنترنت هدفًا، واتخذوها شغلاً وغرضًا. ويا لله! كم نجح الأعداء والأذناب من ورائهم في استغلال الأجهزة الحديثة والمخترعات لإبعاد الناس عن دينهم ومصدر عزتهم، أشغلوا الناس بسفاسف الأمور وساقطها، وأركسوهم بما نشروا في أوساطهم من حماقات وضلالات، وضيعوهم بما نقلوا لهم من شبهات وشهوات، فكم ممن نكص على عقبيه وارتدّ على دبره بعد إذ هداه الله، وكم من قتيل يتشحّط في دم الفضيلة المقتولة، وكم من شاب وشابة يتقلّبان في حمأة الرذيلة المنقولة.
أيها الاخوان، إن حقًّا على كل عاقل حَصِيف أن يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه؛ لينظر: هل أجاد أم قصّر؟ وهل هو يتقدّم أم يتأخّر؟ كلا، إِنَّهَا لإٍحْدَى الْكُبَرِ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:35-37].
نعم أيها الإخوة، إن محاسبة النفس أمر ضروري لا بد منه؛ لأن السائر إلى الدار الآخرة يسلك طريقًا لا توقّف فيها، ويركب عجلة تدور دائمًا وأبدًا، وليس بإرادته ولا مقدوره أن يوقفها أو يقلّل من حركتها، وهو في سيره في تلك الطريق بين أمرين لا ثالث لهما، وخيارين لا يملك غيرهما، إما أن يسرع في سيره ويجد في شأنه، فلعله أن يصل في أول الركب، فينجو من الآفات، ويفوز مع الفائزين، ويد الله مع الجماعة، وإما أن يتباطأ ويتثاقل في حركته، وتتجاذبه السبل يمنة ويسرة، فيوشك أن لا يصل إلى مراده، وإن وصل وصل متأخّرًا، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
أيها الاخوان، إنه لا بد أن يقف كل منا مع نفسه وقفة محاسبة صادقة، يتذكر فيها أعماله الصالحة والطالحة، ثم يعقد موازنة دقيقة، لينظر ما له وما عليه، ثم لينتقل بعد ذلك إلى الأعمال التي رأى أنها صالحة لينظر هل أخلص فيها النية لله وحده؟ وهل تابع فيها ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ؟ وإنه لو وقف الشخص كذلك لرأى عجبًا، ولهاله كثرة الأعمال التي لم تنطبق عليها شروط العمل الصالح المقبول، فضلاً عن الأعمال التي لا شك في كونها سيئات صغيرة أو كبيرة.
ليتفكر الإنسان في حاله مع الصلوات المفروضة، هل أداها بشروطها وأركانها وواجباتها؟ هل صلاها في المسجد مع جماعة المسلمين؟ كيف حاله مع صلاتي الفجر والعصر؟ ثم ما حاله بعد ذلك مع النوافل؟ هل تزود منها لتُرقَّع بها الفرائض وينال بها محبة الله؟ وليسأل نفسه عن بقية الفرائض والنوافل على هذا المنوال. ثم ليحاسب نفسه بعد ذلك عن أمواله التي اكتسبها، من أين حصلها؟ وفيم أنفقها؟ وما موقفه من حقوق الناس؟ هل أداها أم بخسهم إياها؟ الولائم التي أقامها وكلفته آلاف الريالات، المجالس التي جلس فيها وشرَّق فيها وغرَّب، الرحلات والنزهات التي قام بها، الرسائل التي كتبها بيده، المكالمات التي نطق بها لسانه، هل كان كل ذلك لله وفي الله؟ أم أنه مجاراة ومحاباة؟ ثم ليسأل نفسه في المقابل: كم ريالاً دفعه في سبيل الله؟ وكم زيارة قام بها لله؟ عيادة لمريض أو صلة لرحم؟ كم رحلة جعلها في الدعوة إلى الله لتعليم الناس الخير وتبصيرهم في أمور دينهم؟ كم رسالة أو مكالمة في جواله أو جهاز ندائه أشغل بها عباد الله بألغاز مكرورة أو نكت معصورة؟ وفي المقابل: كم استغل ذلك في دلالة على خير أو تحذير من شر؟ إنها أسئلة صعبة صعبة، والإجابة عنها أصعب وأصعب، ولكنه واقع مؤلم وحقائق مرة، يجب أن يتقبلها كل منا بصدر رحب، وأن يعيها لعله يغير من طريقة عيشه وفهمه لهذه الحياة، قبل أن يفجأه هاذم اللذات ومفرق الجماعات، فيندم